الشيخ أحمد فريد المزيدي
179
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وقال رويم قدّس اللّه سرّه : ما نجا إلا بصدق التقى ، قال تعالى : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ [ الزمر : 61 ] . وقال الجريري : ما نجا إلا بمراعاة الوفاء ، قال اللّه تعالى : الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ [ الرعد : 20 ] . وقال ابن عطاء : ما نجا من نجا إلا بتحقيق الحياء من اللّه ، قال اللّه تعالى : أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ [ البلد : 7 ] « 1 » . قال أبو العباس الفرغاني : سمعت الجنيد يقول : سمعت السريّ يقول : سمعت معروفا الكرخي يقول : غضّوا أبصاركم ولو عن شاة أنثى « 2 » . باب الورع قال الجنيد : الورع في الكلام أشدّ منه في الاكتساب « 3 » . قال الجنيد : سمعت السريّ يقول : كان أهل الورع في أوقاتهم أربعة : حذيفة المرتعش ، ويوسف بن أسباط ، وإبراهيم بن أدهم ، وسليمان الخوّاص ، فنظروا في الورع ، فلما ضاقت عليهم الأمور فزعوا إلى التقلل « 4 » . وقد كان الإمام أبو القاسم الجنيد يقول : قد طوي بساط الورع من سنين عديدة ، وإنما يتكلم الناس الآن في بعض حواشيه ورسومه ؛ تشبّها بأهل الورع من السلف « 5 » . وقد وقع أن شخصا دعا الجنيد قدّس اللّه سرّه وجماعته إلى طعامه ، فتوقّف بعض الفقراء عن الأكل ، فقال له صاحب ذلك الطعام : كل ، وقلبك طيب ؛ فإن كل لقمة يأكلها الفقير عندي أحبّ إليّ من ألف دينار . فقال الجنيد : ارفعوا أيديكم من هذا الطعام ، فإن صاحبنا دنيء الهمة ، وكيف يعادل بين إطعامه الفقير لقمة للّه وبين عرض من الدنيا « 6 » ؟ !
--> ( 1 ) انظر : الرسالة القشيرية في باب التقوى ( 1 / 283 ) . ( 2 ) انظر : ذم الهوى لابن الجوزي ( ص 84 ) . ( 3 ) انظر : الحلية ( 10 / 269 ) . ( 4 ) انظر : الرسالة ( 1 / 284 ) . ( 5 ) انظر : الدرر واللمع في بيان الصدق في الزهد والورع للشعراني ( ص 45 ) بتحقيقنا . ( 6 ) قال الشيخ الشعراني : وهذا أدب يخفى على كثير من الفقراء ، وربما ازداد أحدهم رغبة في الأكل إذا سمعه يقول : إن لقمة الفقير أحب إليّ من ألف دينار .